محمد أبو زهرة
1460
زهرة التفاسير
يدبر ، ولا يتحفز ويتوثب للمقاتلة مرة أخرى ، ولقد قال تعالى في وصف حال المؤمنين التي أفاضها عليهم بعد الغم المتولى : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ أمنة : مصدر بمعنى الأمن ، وقرئ : ( أمنة ) بتسكين الميم ، وهي مصدر بمعنى المرة من الأمن ، وقد بين سبحانه نوع الأمن أو مظهره ، بقوله : نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ والنعاس فتور مع استراحة من غير فزع ولا قلق وهو النوم الهادئ ، ومعنى يغشى : يغطى ، أي أنه يغطى الحس ، ويستر الإدراك والتنبه ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى أفاض وأنزل بعد الغم الذي غمر النفوس بالألم أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت فيه النفوس واسترخت الأعضاء واستسلمت لمقادير اللّه تعالى وإرادته في خلقه ونصره دينه ، مطرحين الماضي مكتفين منه بالعبرة ومتخذين منه نورا يضئ للمستقبل بخطئه وبصوابه . وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى النعاس مظهرا للاطمئنان قبل واقعة بدر ، فقال تعالى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) [ الأنفال ] . وفي غزوة أحد كان النعاس مظهر الاطمئنان والتسليم للّه سبحانه وتعالى والثقة بالمستقبل - بعد الفزع والهلع والاضطراب . وتلك الطائفة التي غشيها النعاس واطمأنت بعد الاضطراب ، وآمنت بأن ما كان كان بخطإ من بعضهم ، وأنه عبرة لأولى الأبصار - هم المؤمنون الصادقو الإيمان الذين يريدون ما عند اللّه تعالى ، ولا يبتغون غير رضاه ، ولقد اعتبرهم القرآن وحدهم الأهل للخطاب ، لأنهم هم الذين يعدون ذخيرة المستقبل ، وجند اللّه الغالب ، ولذلك قال : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً . وإن أمنهم ونومهم مع أن الجراح قد أثقلتهم ، والاضطراب كان قد أذهلهم ، دليل على عمران قلوبهم بذكر اللّه وصدق وعده : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) [ الرعد ] .